الشيخ محمد رشيد رضا

43

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقد علمت أن الجمهور على أن الاستثناء منقطع أي ان المقام مقام الاستدراك لا الاستثناء والمعني لا تكونوا من ذوي الطمع الذين يأكلون أموال الناس بغير مقابل لها من عين أو منفعة ولكن كلوها بالتجارة التي قوام الحل فيها التراضي فذلك هو اللائق بأهل الدين والمروءة إذا أرادوا ان يكونوا من أهل الدثور والثروة . وقال البقاعي : ان الاستدراك لا يجئ في النظم البليغ بصورة الاستثناء أي الذي يسمونه الاستثناء المنقطع الا لنكتة . وقال إن النكتة هنا هي الإشارة إلى أن جميع ما في الدنيا من التجارة وما في معناها من قبيل الباطل لأنه لا ثبات له ولا بقاء ، فينبغي ان لا يشتغل به العاقل عن الاستعداد للدار الآخرة التي هي خير وأبقى . وفي الآية من الفوائد ان مدار حل التجارة علي تراضي المتبايعين ، والغش والكذب من المحرمات المعلومة من الدين بالضرورة ، وكل ما يشترط في البيع عند الفقهاء فهو لأجل تحقيق التراضي من غير غش وما عدا ذلك فلا علاقة له بالدين قال البقاعي : ولما كان المال عديل الروح ونهى عن اتلافه بالباطل نهى عن اتلاف النفس لكون أكثر إتلافهم لها بالغارات لنهب الأموال وما كان بسببها أو تسببها على أن من أكل ماله ثارت نفسه فأدى ذلك إلى الفتن التي ربما كان آخرها القتل فكان النهي عن ذلك أنسب شيء لما بنيت عليه السورة من التعاطف والتواصل فقال تعالى وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ الخ أقول ظاهر هذه الجملة وحدها ان النهي انما هو عن قتل الانسان لنفسه وهو الانتحار والمتبادر منها في هذا الأسلوب ان المراد لا يقتل بعضكم بعضا وهو الأقوى . واختير هذا التعبير للاشعار بتعاون الأمة وتكافلها ووحدتها كما تقدم في نكتة التعبير عن اكل بعضهم مال بعض بقوله « لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ » وجمع بعضهم في النهي عن القتل بين الامرين فقال أي لا تقتلوها حقيقة بالانتحار ولا مجازا بقتل بعضكم لبعض ، ولم يقولوا مثل هذا في النهي عن أكل أموال أنفسهم بالباطل على أن المعني يكون في نفسه صحيحا فان النفقات بالباطل محرمة شرعا لأنها من إضاعة المال في غير منفعة حقيقة ، وقد تقدم ما يؤيد ذلك في تفسير قوله تعالى « وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ